Free Web Hosting | free host | Free Web Space | BlueHost Review

معاناة الشعب الفلسطيني:

قال الجنرال اللنبي عندما ترجل من سيارته عند مدخل القدس: " اليوم انتهت الحروب الصليبية!..". لقد كانت إذن حروباً صليبية تلك التي خاضها هذا الجنرال في القرن العشرين على جبهة فلسطين. ولكن ما معنى رسائل حكومته إلى الشريف حسين بن علي ووعودها له وعهودها التي تعهدت بها "بتحرير" عرب السلطنة العثمانية ومساعدتهم لإقامة دولتهم المستقلة في إطار هذه الصليبية؟ ليس لها من معنىً إلا الخداع والخيانة. وما كان الأمر يقف عند حدّ الكلام والبلاغة فحسب

عندما تفوّه ذلك الجنرال بتلك العبارة، بل إنه كان يعني كل حرف فيها. فكان طليعة الصليبية الثانية التي كانت تدبر جريمة قتل وتشريد شعب فلسطين، تماماً كما فعلت سابقتها في القرون الوسطى عندما ذبحت أبناء هذا الشعب بذاته لتضع يدها على مفاتيح الطريق إلى الكنوز الأسطورية في آسيا وأفريقيا. ولكن المرتزقة البرابرة سيكونون في هذه المرة صهاينة اليهود بدلاً من صهاينة البابوية التي كانت تطمع ببعث الإمبراطورية الوثنية الرومية بعد فنائها، وذلك تحت شعار "الأشواق" الكاذبة إلى الأراضي المقدسة التي صانها الحكم الإسلامي كما لم يصنها أيّ حكم آخر لاسيما الحكم "الوثني" الإنجليزي الذي سلّمها إلى صهاينة اليهود ليدنسوها.

 وعندما نستعرض الصورة التي كان عليها العرب أيام النكبة، والتي كانت عليها أيضاً دار الإسلام على العموم في تلك الأيام وما تزال بعد أن مزقها النظام الرأسمالي الوحشي وأفقرها وجمّد الحياة الصحيحة فيها خلال العصور الطويلة التي تمكّن فيها منها، نقول عندما نستعرض هذه الصورة في إطار النظام الاستعماري العالمي ندرك بوضوح حجم معاناة الشعب الفلسطيني من غدر هذا النظام ونقدّر بالتالي بشكل صحيح الصمود البطولي لهذا الشعب طوال العقود السبعة الماضية من الزمان في وجه تلك القوى العالمية الطامعة. ونرى أيضاً عندئذ مقدار جهل وسطحية وسخافة كل من يوجّه اللوم إلى الشعب الفلسطيني ويلقي عليه مسؤولية ما حلّ به من كوارث، ونقصد هنا الأبرياء أصحاب النيّات الحسنة، أما الخونة والأعداء الذين يوجهون الاتهامات إلى شعبنا هذا للنيل من وطنيته وبطولته في غاية تثبيط العزائم ونشر الانهزامية في صفوفنا فإنهم لا يستحقّون أي مناقشة أو التفات إلى دسائسهم وأقوالهم الكاذبة، سوى ما يجب التنبيه إليه والتحذير منه كي لا ينخدع به بعض البسطاء من قومنا. ويكفي مثالاً على بطولة شعبنا في فلسطين ما نشاهده في هذه الأيام، ونحن في النصف الأخير من الشهر الأخير من عام 1987، بعد أربعين عاماً من النكبة، من آيات صموده في وجه الأعداء الصهاينة ووجه مَن يقف وراءهم ويدعمهم أصحاب الجهاز العالمي للعدوان الاستعماري الذين تقودهم الولايات المتحدة الأميركية، فيقاتل أخوتنا هناك بأظافرهم وحجارة أرضهم وبما شابه من وسائل الدفاع بذات العنف والثقة بالنفس وكل الصفات الأخرى التي تحلّوا بها دوماً في دفاعهم عن حقوقهم في مدنهم وقراهم وحقولهم وجبال فلسطينهم ووهادها.

ويشنّ العدو في هجومه على فلسطين حرباً نفسية على أمتنا يبذل فيها كل ما في جعبته من مكر وأكاذيب لتخرج متقنة. وتتنوع هذه الحرب النفسية، ولكن أخطرها هو سعيه الدائب في اتجاه الهدفين التاليين:

_ إنكار وجود الشعب الفلسطيني.

_ عزل الفلسطينيين عن أشقائهم العرب.

وإنكار الوجود الفلسطيني قصة قديمة ومسلسل مترابط تأخذ حلقاته مختلف الأشكال المناسبة للزمان والمكان. منها مثلاً رأيناه عندما كان يأتي بعض العرب من غير الفلسطينيين إلى المحافل الدولية في أعقاب الحرب العالمية الأولى ليتكلموا أمامها باسم الشعب الفلسطيني. ويا ليتهم كانوا يحسنون الدفاع عن هذا الشعب، إذن لعذرهم التاريخ في فشلهم الذي لاقوه في هذا المضمار. ولكنهم كانوا "يتبرعون" بالتفريط بحقوقه فلا  يلاقون من العدو إلا المراوغة تارة والإذلال أخرى. وكان العدو، ولا يزال، يشجّع مثل هذه الوكالات ويعطيها مختلف الأشكال المناسبة التي ترمي كلها إلى إبعاد الشعب الفلسطيني عن شؤون بلده ويؤخر ما أمكن اعتراف العالم بوجوده: إن مؤتمر فاس مثلاً "رضي" بأقل من الحدّ الأدنى من مطالب الثورة الفلسطينية التي حضرته لتسمع قراره وليس لعرض قرارها ومناقشة أدوار أعضائه في المساعدة على تنفيذه. وفي أيام هرتزل نشر الصهاينة اليهود في أوساط المستعمرين دعواهم الباطلة الوقحة: "أعطونا بلداً بدون شعب إلى شعب بدون بلد…". وكأن الأوطان جعلت في جعب المستعمرين ليمكنهم التبرع بها إلى مَن يشاؤون!.. ولكن هذه الدعوى الوقحة ما كانت في الواقع إلا عِواء ابن آوى في زحمة الضواري التي كانت تنهش وتفترس أوطان الأمم في تلك الأيام الأخيرة من القرن التاسع عشر التي أنهى فيها الاحتكاريون المستعمرون اقتسام العالم فيما بينهم، فهي على كل حال بشذوذها ومغالطتها شهادة على ما كان يرتكبه في تلك الأيام أولئك المستعمرون ضد بني الإنسان في الوقت الذي تنفي فيه نفسها بنفسها. فالأوطان لا تعطى لا سيما منها الوطن الفلسطيني الذي ردّ أهله دوماً كل عادٍ عليه. واليوم نجد الولايات المتحدة الأميركية تستمر في إصرارها على إنكار وجود منظمة التحرير بعد أن اعترف كل العالم بها كممثّل شرعي للشعب الفلسطيني. ومن الواضح أن قصدها بهذا الإنكار هو محاولة طمس حقيقة الشعب

 

 

 

 

Text Box: الصفحة الرئيسية | الفهرس ║ الصفحة السابقة | الفصل الثالث | الصفحة التالية
Text Box: 19