Free Web Hosting | free host | Free Web Space | Web Hosting
Text Box: فوزي القاوقجي:
الثائر الأسطوري الذي طالما ألهب اسمه خيال السوريين والعرب، شيوخهم وشبابهم وأطفالهم، فغدت أفعاله في الأعداء المستعمرين مادة ملاحم تنشد في سمرهم، وأخباراً يستقصونها في لقاءاتهم، وبشرى يطربون لسماعها أيما طرب. وما انقطع نجمه عن التصاعد من أوج إلى أوج، بتوالي الثورات العربية ضد المستعمرين، الثورات التي لم يتخلّف عن أيّ واحدة منها، وكأنه قد نذر لها، وسمع الناس بأن الأعداء الإنجليز تمكنوا برشاش إحدى طائراتهم من إصابته بجراح خطيرة أثناء استمراره بمقاومتهم في بادية الشام بعد انهيار ثورة رشيد عالي الكيلاني، وسمعوا أنه نقل وهو فاقد الوعي بين الحياة والموت بالطائرة إلى اليونان ثم إلى ألمانيا لمعالجته، فكانت  قلوبهم معه تلهج بالدعاء له بالشفاء، فقد كان فارسهم وبطلهم الذي ملأ قلوبهم بمحبته ونفوسهم اعتزازاً به.
وكان من الطبيعي أن يكون القاوقجي هدفاً للتشويه والتشهير الكاذب اللئيم من قبل الأعداء وأعوانهم على اختلاف نزعاتهم. فأمتنا العربية في الحروب النفسية التي يشنّها عليها الأعداء يجب أن تجرّد من كل ما يؤكد وجودها، وعلى الأخص إنكار كفاحها بتشويه معانيه وغاياته، والاستخفاف به، والنيل من قادته، واتهامهم بالتهم الباطلة، مع محاولات إبراز "أشباه ثورات" وقادة لها يتوسدون الحشايا والخزّ بدلاً من الثورات الحقيقية ومجاهديها الميامين الذين عاشوا مع الأخطار، وتعايشوا مع الشقاء حتى أكلت الصخور والحجارة والأتربة التي توسدوها من جلودهم، ثم لم يطلبوا شيئاً سوى خلاص أمتهم وتحررها. في هذه الحالة، عندما لا تجد ثوراتنا (بزعم أعدائنا ومن تبعهم من أصحاب المصالح الدنيئة والسخفاء) سوى اللصوص كمجاهدين، والعجزة الجَهَلَة (إن لم نقل العملاء) كقادة خلال عقود طويلة من السنين لم ينقطع فيها القهر النازل بنا، نقول إننا عندما ننخدع بهذه الصورة الكاذبة، ونروّج لها فإنها تنعكس على أمتنا، وقد تسبّب في تيئيس العديد من بسطاء الناس من الجهاد وجدواه وتقعدهم عن ردّ القهر النازل بهم، وهذا هدف كبير من أهداف العدو.
إن فوزي القاوقجي ضابط لامع من ضباط الجيش العثماني. وقد خاض في هذا الجيش غمار الحرب العالمية الأولى كلها، وأبلى فيها البلاء الحسن وخاصة في الجبهة الفلسطينية ضد ذلك الصليبي اللنبي المارّ ذكره أعلاه. وقد استخلص من تلك الحرب، كإنسان اشتهر بالذكاء الحاد، ثروة ضخمة من الدروس والعبر، وعندما شكّل الفرنسيون وحدات الشرق الخاصة، في إثر احتلالهم لسورية، كان فوزي القاوقجي الضابط الوحيد الذي احتفظ برتبته التي اكتسبها في الجيش العثماني، وهي رتبة الكابتن (النقيب)، في الوقت الذي خفّضت فيه رتب الضباط العرب الآخرين إلى رتبة الملازم. وكان أيضاً ضابطاً لامعاً في وحدات الشرق الخاصة. ثم خرج ليمارس الكفاح المسلح ضد المستعمرين السنين الطوال. وهذا النوع من الصراع المسلح هو من أكثر أنواع الحروب تعقيداً، وهو أصعب على ممارسيه الثائرين وقياداتهم من أي حرب نظامية، فأبدع فيه القاوقجي أيما إبداع وغدا فيه أسطورة في شعبه، وشبحاً مرعباً للأعداء المستعمرين. ومع ذلك فقد ردّد بعضهم في كتابته كل ما أشاعه عنه العدو الصهيوني من أكاذيب وأضاليل. فنقرأ مثلاً في كتاب "حرب فلسطين" المارّ ذكره العبارة التالية: "…القاوقجي كان يعتقد أن قصف المدفعية لوحده يكفي لاستسلام المستعمرة..". مع أن أبسط عريف في أي جيش من جيوش العالم يعرف بديهة كون المدفعية سلاح مساندة، ولابدّ من استخدام القوى المناسبة التي تأتي في طليعتها قوى المشاة لاحتلال المواقع، فكيف بالإمكان تصور فوزي القاوقجي جاهلاً لهذه القاعدة البسيطة المعروفة من أقدم الأزمنة، وهو الذي خاض، بعد تخرّجه من أعلى المعاهد العسكرية، معارك طاحنة في الحرب العالمية الأولى، في جبهة فلسطين بالذات، ثم اطّلع على تقدّم التقنية العسكرية وجرّب نتائجها بممارساته الثورية ضد أعتى القوى الاستعمارية، كما كان في الوسط الألماني الذي كان يخوض الحرب العالمية الثانية وشاهد عن كثب تجارب هذه الحرب وتتّبع أخبارها وأوصاف دقائق أحداثها بشكل جيد بحكم مركزه الممتاز الذي كان يتمتع به هناك؟.. ونقرأ أيضاً في هذا الكتاب Text Box: الصفحة الرئيسية | الفهرس ║ الصفحة السابقة | أعلى الصفحة | الصفحة التالية
Text Box: 24