Free Web Hosting | free host | Free Web Space | BlueHost Review
Text Box: انعدام الرؤية الصحيحة عند الراغبين في التحرّر:
فتحت اللجنة العسكرية باب التطوع لإنقاذ فلسطين فتوافدت أفواج المجاهدين من كل أنحاء سورية والأقطار العربية والإسلامية فغرقت بها مفتشية الإنقاذ التي أشرنا إلى ضآلة إمكاناتها المادية. حتى الجنود وضباط الصف والضباط في الجيش السوري والجيوش العربية الأخرى كانوا يتركون وحداتهم في جيوشهم دون إذن قياداتهم ليلتحقوا بقوات الإنقاذ ولينالوا شرف السبق إلى مواجهة العدو الصهيوني وردّه عن أرض الوطن. وقد تفاقم هذا الأمر حتى هدد سلامة الجيش السوري الناشئ القليل العدد لولا أن قيادة الإنقاذ في دمشق بالاتفاق مع قيادة الجيش السوري وقفت بحزم ضد هذه الظاهرة للحدّ من نتائجها. ومع ذلك فإن الكثيرين من العسكريين السوريين والعرب الذين لم يحصلوا على إذن قياداتهم للالتحاق بقوات الإنقاذ في أوقات تشكيلها في دمشق كانوا يتركون قطعاتهم ويذهبون مباشرة إلى فلسطين ليلتحقوا بالمجاهدين هناك. إن النقيب البطل الشهيد مأمون البيطار رئيس الشعبة الأولى في أركان الجيش السوري مثلاً ترك مكتبه بهذا الشكل ليلتحق بالقاوقجي في جبع لأنه رأى أن داعي الجهاد أبدى من داعي الانضباط في تلك الظروف، علماً بأنه، بحسب وظيفته، كان المساعد الأول لرئيس أركان الجيش السوري في أمور التنظيم والانضباط. وفي حديث دار بيني وبينه عند وصوله إلى جبع شرح تصرّفه هذا بقوله إن الحكومات العربية تنتظر الإذن من المستعمرين لتتدخّل، ولكن ليس لصالح شعب فلسطين وإنما لصالح هؤلاء المستعمرين. فعلينا نحن إذن كجماهير أن نسبقها في التدخل لصالح أخوتنا. ثم استطرد قائلاً: "يا أخي عفيف لقد أتينا هنا لنبقى في هذه الأرض مع أهلنا". وقد أوفى بنذره وبلّل ترابها الطاهر بدمه الزكي كما بلّلته دماء العديد من مئات الألوف من أبناء أمتنا العربية والإسلامية دفاعاً عنه ضد البرابرة المعتدين الطامعين في لبنه وشهده طوال تاريخه الدامي.
سبق أن أشرنا إلى أن المناخ الثوري في كل بلد من البلدان المبتلاة بالقهر الاستعماري لم يكن قائماً فحسب في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وإنما أيضاً كانت الثورات تتلاحق في تلك البلدان وتحاصر المستعمرين حينذاك. حتى الشعوب في بلاد المستعمرين انتفضت وحاولت إزاحة النظام الرأسمالي الاحتكاري عن كاهلها، هذا النظام المخزي الذي طالما سبّب الويلات والدمار لبني الإنسان: كانت مثلاً مئات ملايين الشعب الصيني تقوم بتصفية عهد طويل من العبودية والقهر فرضه القراصنة الرأسماليون عليهم، وكانت جيوش ثورتهم المظفرة تلاحق أذناب المستعمرين لتلقي بهم في البحر؟ وفي الفيتنام كانت الأمور تسير بسرعة نحو المواجهة الكبرى الفذّة في التاريخ بين شعب صغير في حجمه وكبير في بطولته وبين أميركا المارد الكبير في حجمه والقزم الضئيل في عدوانيته وتبجحه ومعاندته لمسيرة التاريخ العام.
وقد انتصرت البطولة الواعية في النتيجة ومرّغت أنف الولايات المتحدة الأميركية بالرّغام؟ وفي الوطن العربي الذي لم تنقطع ثورات أقطاره أبداً ضد المستعمرين الرأسماليين الاحتكاريين، حقق الشعبان السوري واللبناني جلاء الجيوش الأجنبية؛ وكانت المقاومة ضد الإنجليز وصنائعهم تتصاعد في مصر؛ وفي الشمال الأفريقي تزداد المقاومة ضد المستعمرين وخاصة في الجزائر التي كان المستعمرون الفرنسيون يدّعون بأنها أرضهم، تماماً كما يدّعي حالياً الخزر المتهودون أن فلسطين "أرض ميعادهم"، واستمر التأزم في التصاعد إلى أن اندلعت الثورة الجزائرية؛ وكان الغليان الثوري في إيران يشتد ويدفع بالبلاد إلى عهد مصدّق؛ وكانت القارة الهندية قد استقلت بعد كفاح بطولي مديد؛ وما كانت الأمور لتختلف في أفريقيا السوداء ولا في أميركا اللاتينية. ثم إن العالم بأكثريته الساحقة صوّت إلى جانب العرب عند التصويت على قرار تقسيم فلسطين في 29 تشرين الثاني عام 1948 فأيدت هذا القرار أكثرية تتألف من المستعمرين وأذنابهم وعارضته أقلية من الدول إلا أنها تتضمن معظم سكان العالم. 
كان الاستعمار إذن في تلك الأيام على كف عفريت في مهب الرياح. وكان ما ذكرناه أعلاه من تدفق المجاهدين العرب والمسلمين لإنقاذ فلسطين من أولئك الغزاة المتوحشين جزءاً من تلك الحالة العامة التي كانت تسود العالم ضد المستعمرين ومشاريعهم العدوانية، جزءاً من المناخ الثوري العالمي ضد النظام الرأسمالي الاحتكاري العالمي. إلا أنه بكل أسف ما كانت على العموم القيادات الثورية في العالم ترى بشكل واضح واقع تلك الأيام على حقيقته للاستفادة من ذلك المناخ الثوري العالمي وتوجيه كل القوى الثورية مباشرة لقلب النظام العالمي المذكور.
Text Box: الصفحة الرئيسية | الفهرس ║ الصفحة السابقة | أعلى الصفحة | الصفحة التالية
Text Box: 36