Free Web Hosting | free host | Free Web Space | BlueHost Review
Text Box: معركة مشمار هاعمك:
في مطلع شهر نيسان عام 1948 تلقيت أمراً من القائد فوزي القاوقجي بإعداد كتيبة المدفعية للاشتراك بهجوم على مشمار هاعمك. وتقع هذه المستعمرة، على بعد خمسة وعشرين كيلومتراً من جنين على طريق حيفا، في مدخل وادٍ صغير بين قريتين عربيتين مشرفتين عليها: غبيّات الفوقا الأقرب إلى جنين، وغبيّات التحتا الأقرب إلى حيفا. وكان علينا أن نعوّل على معطيات الخارطة في استطلاعاتنا وحساباتنا الطبوغرافية فلا نمرّ على الأرض إلا مروراً سريعاً عابراً كي لا نلفت الأنظار وننبّه العدو إلى أننا نهيئ لعملية ضده. وفي اليوم الرابع من نيسان 1948، وكان يوم سبت، تحرّكت قواتنا لتأخذ مواقع انطلاقها للهجوم على المستعمرة. وقد اتخذت لذلك كل إجراءات الأمن والسريّة لتكون مفاجأة العدو تامة. فعزلت منطقة المستعمرة تماماً عن بقية المناطق المحيطة بها بمنع الحركة على الطرقات والخروج من القرى. واتّبعت وحدات الإنقاذ بسيرها إلى مواقع القتال طرقاً داخلية بعيدة عن رصد العدو المباشر. وكانت هذه الوحدات تتألف من كتيبة مشاة بقيادة المقدّم العراقي مهدي وأربع مصفّحات بقيادة الملازم فائز حديفة وكتيبة مدفعية تتألف من: أربعة مدافع 75 مم ذاتية الحركة، ومدفعين 75 مم مقطورين، ومدفعين 105 مم مقطورين، ومقنبلتين من عيار 75 مم محمولتين.
وضعنا مرصدنا في قرية غبيّات الفوقا التي كانت (قبل أن يزيلها الصهاينة من الوجود كما أزالوا أختها وشردوا أهلها قبل عمليتنا ببضعة أسابيع) على مرتفع مشرف يبعد نحو ثلاثة أرباع الكيلومتر عن حدود المستعمرة. وربضت المدفعية في سهل ضيق يقع إلى يسار هذا المرتفع وخلفه، بينما وقفت المصفّحات على مدخل السهل قرب الطريق المؤدي إلى حيفا على بعد كيلومترين تقريباً من المستعمرة، وانتشرت سرية من كتيبة المشاة بين مرتفع غبيّات الفوقا والمستعمرة قبيل الساعة الخامسة التي حددها القائد لبدء الهجوم، أما بقية الكتيبة فقد وُزِّعَت على الطرق المؤدية إلى المستعمرة لمشاغلة النجدات التي قد تهرع لمساعدتها. ثم إن القائد فوزي القاوقجي صعد إلى المرصد مع أركانه في الساعة الخامسة إلا الربع. وكنا نرصد المستعمرة ونرى شبّانها يمارسون ألعابهم ليوم السبت وهم غافلون تماماً عمّا يدور حولهم من ترتيبات لمهاجمة المستعمرة. فقد كان تقدمنا إلى مواقعنا في غاية الإتقان في نظامه وسرِّيته. وفي الساعة الخامسة إلا دقيقة واحدة تقدمت إلى القائد فوزي القاوقجي وقلت له إن كتيبة المدفعية جاهزة للرمي، فأمرني بفتح النار. وكان عامل الهاتف ينتظر إشارتي لينقلها إلى الملازم علي ماجد ضابط الرمي في مربض المدفعية، فأعطيته الإشارة، فإذا بجحيم من النيران ينصبّ على الصهاينة الذين راحوا يتراكضون في كل اتجاه. 
يقول القائد فوزي القاوقجي في مذكراته حول هذا الهجوم ما يلي: "ما كاد عقربا الساعة في يدي يدلاّن على الخامسة، حتى أصدرت أوامر للمدفعية ففغرت أفواهها دفعة واحدة وراحت تصبّ نيرانها على الأهداف الرئيسية التي عيّنت لها، لا تخطئ هدفاً، وأهل المستعمرة مأخوذين بالمفاجأة الرهيبة، ثم أخذوا يتراكضون في أنحاء المستعمرة على غير هدى. وتقدمت سرية المشاة بحماية نيران مدفعيتنا إلى الأسلاك الشائكة وفتحت فيها الثغرات، كما وصلت مصفّحاتنا إلى أبواب المستعمرة وأخذت تصلي أبراجها التي في مواجهتها بنيران رشاشاتها. ولم يحارب الصهاينة في البداية إلا من هذه الأبراج وبنار ضئيلة مرتبكة وتمركز قصف المدفعية على القلاع. حتى إذا ما قارب مشاتنا هذه القلاع في تقدمهم في شوارع المستعمرة تدعمهم مصفحاتنا أعطيت الإشارة لوقف القصف…". انتهى قول القائد فوزي القاوقجي.
سكتت المدفعية وخيّم سكون ثقيل على المنطقة كانت تعكره طلقات بواريد سرية الإنقاذ والصليات المتقطعة لرشاشات مصفحات الملازم فائز حديفة التي كانت تروح وتجيء هنا وهناك في شوارع المستعمرة. وأخذ المطر في النزول مع غياب الشمس واقتراب ظلمة الليل. وفي نحو الساعة السادسة أصدر القائد فوزي القاوقجي أمره بإنهاء العملية وانسحاب مشاتنا من المستعمرة للتمركز قبالتها في المواقع المشرفة عليها، على أن تبقى مدافعنا مسلطة عليها وتبقى مصفحاتنا تراقب مداخلها. وقد جرى نقاش ساخن بين القائد وضابط ركنه النقيب مأمون البيطار الذي اعترض على أمر الانسحاب وطالب بإكمال العملية وإزالة المستعمرة وأسر سكانها. ولكن القائد أصرّ على تنفيذ الأمر الذي أصدره وقال إن العملية قد انتهت وإن المستعمرة بحكم الساقطة والدرس المستفاد حاصل ولا لزوم لخوض معركة كبيرة لم نكن متهيئين لها عندما ستأتي نجدات Text Box: الصفحة الرئيسية | الفهرس ║ الصفحة السابقة | أعلى الصفحة | الصفحة التالية