Free Web Hosting | free host | Free Web Space | BlueHost Review
Text Box:  ولننظر إلى الخطة العجيبة التي وضعها جنرالات العرب في ظل هذا القائد العام في اجتماع عمّان الآنف الذكر. فقد أشرنا أكثر من مرة في هذه الدراسة إلى أن تلك الحرب كانت صراعاً حول طرق المواصلات. فالمواقع العربية كانت تتحكم بمواصلات مختلف بؤر توضع الصهاينة بين بعضها والبعض الآخر. وكانت مقاتل العدو بمتناول رشاشاتنا قبل مدافعنا من العديد من المواقع في المناطق الستراتيجية "كالناصرة ـ شفا عمرو" مثلاً و "جنين ـ مجدو ـ عارة" و "طول كرم" و "اللد ـ يازور" و "رام الله ـ القدس ـ باب الواد" إلخ… وقد أشرنا إلى أن الخسائر في معارك الإنقاذ قبل دخول الجيوش العربية فلسطين لم تغيّر جوهرياً من الوضع الجغرافي والطبوغرافي المتفوّق للعرب. ومع كل هذا فإن أولئك الجنرالية تركوا مشارف تل أبيب وحيفا والقدس التي كانت بحوزتهم، كمواقع انطلاق بُعدها عن مقاتل العدو تلك يقاس بالأمتار، ليذهبوا إلى حدود فلسطين ليبدأوا "التحرير" منها ويتجهوا إلى تلك المقاتل عبر آلاف الحصون والعوائق التي تشكلها مستعمراتهم. وتتلخص الخطة العجيبة بما يلي:
أولاً: يسير الجيشان السوري واللبناني من الحدود الشمالية لفلسطين باتجاه حيفا التي تشكّل هدفهما الأول؛
ثانياً: ينطلق الجيشان العراقي والأردني من نهر الأردن نحو حيفا كهدف أول أيضاً؛
ثالثاً: يدخل الجيشان المصري والسعودي من الجنوب في اتجاه يبنا ـ رحبوت؛
رابعاً: بعد استعادة حيفا تتجه كل الجيوش العربية لتحرير منطقة تل أبيب وسحق الوجود الصهيوني في هذه المدينة.
ونلاحظ هنا أن القدس ليس لها ذكر في هذه الخطة. فنجد إذن أن الأنظمة العربية التي رفضت في الظاهر مشروع تقسيم فلسطين الذي ينص أيضاً على تدويل القدس تراعي هذا التدويل عند سكوتها في هذه الخطة عن كل موضوع يتعلق بالمدينة المقدسة. وقد أعلن هذا الأمر صراحة الجنرال كلوب عندما خاطب ضباط الجيش الأردني في اجتماع لهم في الشونة ساعة استعداد عسكرهم لدخول فلسطين في يوم الجمعة 14/5/1948. قال كلوب بحسب ما جاء في مذكرات المقدّم المجاهد عبد الله التل: "…إن الجيش العربي يتجه إلى نابلس ويتحاشى المرور بالقدس بناءً على: 
1-  موافقة الجامعة العربية على استثناء القدس من خطط الجيوش العربية؛
2-  وجود هدنة بين العرب واليهود في مدينة القدس (اليهود الذين لا يتقيدون بهدنة: من عندنا)؛
3-  الوضع السياسي للقدس واحتمال جعلها دولية مما يمنع الجيش العربي من الاقتراب منها (ولكن الذي يمنع الجيش العربي من الاقتراب منها ولا يمنع الصهاينة من تدنيسها هو كلوب ممثل الإنجليز مفتعلي ذلك الوضع السياسي: من عندنا)". انتهى قول المقدّم التل.
إن القدس، عقدة طريق حيرام, داود, سليمان, بلقيس، ومدينة عيسى, ومسرى النبي محمد، كمكّة، فقرة رئيسية في العمود الفقري الذي قامت عليه منذ الأزل وظيفة العرب أهل الدار في تنظيم صلات البشر بين مشرق الأرض و مغربها، والذي هو الطريق الأزلي إلى ثروات المحيط الهندي محطّ أطماع المستعمرين دوماً وأبداً، ومحطّ أطماع الخزر المتهودين خدم الرأسمالية الاحتكارية حالياً. فتدويل هذه المدينة المقدسة كتسليمها للصهاينة رمز لإلغاء وظيفة العرب المذكورة وبالتالي رمز إلغاء وجود العرب لتتحقق أبداً تلك الأطماع للمستعمرين سادة النظام الدولي الاستعماري المعاصر.
ثم إن الجيش السوري تحرك في الرابع عشر من أيار، بناءً على الخطة الآنفة الذكر نحو حدود فلسطين مع لبنان، ولكنه ما إن وصل إلى تلك الحدود حتى تلقى أمراً بتحويل اتجاهه 180 درجة ليسير نحو سمخ في جنوب بحيرة طبريا. وكان ذلك بنتيجة اجتماع جرى في درعا حضره كلُّ من شكري القوتلي رئيس الجمهورية السورية وبشارة الخوري رئيس الجمهورية اللبنانية والملك عبد الله ملك شرقي الأردن والأمير عبد الإله الوصي على عرش العراق وصالح صائب رئيس أركان الجيش العراقي وطه الهاشمي المفتش العام لقوات الإنقاذ وعبد القادر الجندي من الجيش الأردني وعبد الله عطفة رئيس أركان الجيش السوري والأمير ألاي صبور من الجيش المصري. فقد فرض الملك عبد الله في هذا الاجتماع، بصفته "القائد العام للعرب" تعديلاً لخطة تحرّك الجيوش العربية نحو فلسطين. وينص هذا التعديل على ترك شمال فلسطين للجيش اللبناني وحده بينما ينتقل الجيش السوري ليعمل مع الجيش العراقي من الحدود الشرقية لفلسطين: من الحمّة إلى جسر المجامع باتجاه حيفا. وفي هذه المنطقة توجد تحصينات خط إيدن القوية التي كان Text Box: الصفحة الرئيسية | الفهرس ║ الصفحة السابقة | أعلى الصفحة | الصفحة التالية